يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
288
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
فقدت طبقة منها أو زالت صفة من صفاتها تعطلت العين عن الإبصار . فلو ذهبنا نصف ما في آحاد هذه الأعضاء من العجائب والآيات لانقضت فيه الأعمار . فانظر الآن إلى العظام وهي أجسام قوية صلبة ، كيف خلقها من نطفة سخيفة رقيقة ، ثم جعلها قواما للبدن وعمادا له . ثم قدرها بمقادير مختلفة وأشكال مختلفة ، فمن صغير وكبير ، وطويل وقصير ، ومجوّف ومصمت ، وعريض ودقيق . ولما كان الإنسان محتاجا إلى الحركة بجملة بدنه وببعض أعضائه للتردد في حاجاته لم يجعل عظما واحدا بل عظاما كثيرة بينها مفاصل حتى يتيسر بها الحركة ، وقدّر شكل كل واحد منها على وفق الحركة المطلوبة بها ، ثم وصل مفاصلها وربط بعضها ببعض بأوتار أنبتها من آخر طرفي العظم ، وألصق بالطرف الآخر كالرباط له ، ثم خلق في آخر طرفي العظم زوائد خارجة منها وفي الآخرى نقرا غائصة فيها موافقة لشكل الزوائد لتدخل فيها وتنطبق عليها . فصار العبد إن أراد أن يحرك جزءا من بدنه لم يمتنع عليه ، ولولا المفاصل لتعذر ذلك عليه . ثم انظر كيف خلق عظام الرأس وكيف جمعها وركبها من خمسة وخمسين عظما مختلفة الأشكال والصور وألفّ بعضها إلى بعض بحيت استوت به كرة الرأس فيما تراه ، فمنها ستة تخص الفوق ، وأربعة عشر اللحى الأعلى ، واثنا عشر اللحى الأسفل ، والبقية هي الأسنان بعضها عريضة تصلح للطحن ، وبعضها حادة تصلح للقطع . ثم جعل الرقبة مركبة من سبع خرزات محترفات مستديرات ، فيها تجويفات وزيادات ونقصانات لينطبق بعضها على بعض . ثم ركب الرقبة على الظهر ، وجعله من أربعة وعشرين خرزة بالرقبة إلى منتهى عظم الفخذ ، وركب عظام الفخذ من ثلاثة أجزاء مختلفة ، ويتصل به من أسفله عظم العصعص وهو أيضا مؤلف من ثلاثة أجزاء ووصل عظام الظهر بعظام الصدر ، وعظام الكتف وعظام اليدين وعظام الرجلين والأصابع . فلا نطيل بذكر عدده ، فمجموع عدد العظام في بدن الإنسان مائتا عظم وثمانية وأربعون سوى العظام الصغار التي حشي بها خلل المفاصل . كل ذلك من تلك النطفة السخيفة . وليس المقصود أن تعرف عددها فإن ذلك علمه قريب يعرفه الأطباء والمشرحون ، وإنما لغرض أن تنظر في مدبرها وخالقها كيف قدّرها ودبّرها وخالف بين أشكالها وأقدارها وخصها بهذا العدد الذي لو زاد فيها أو نقص لكان فسادا . ثم انظر كيف خلق اللّه تعالى آلات لتحريك العظام وهي العضلات ، فخلق في بدن الإنسان خمسمائة عضلة وبضعا وعشرين عضلة ، والعضلة مركبة من لحم وعصب ورباط وأغشية ، وهي مختلفة المقادير والأشكال بحسب اختلاف مواضعها وحاجاتها .